السيد هاشم البحراني
229
البرهان في تفسير القرآن
أميال ، أتاه جبرئيل ( عليه السلام ) على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس ، فقال : يا محمد ، إن الله عز وجل يقرئك السلام ، ويقول لك : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * في علي وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * « 1 » فكان أولهم بلغ قرب الجحفة فأمره أن يرد من تقدم منهم ، ويحبس من تأخر منهم في ذلك المكان ، ليقيم عليا ( عليه السلام ) للناس ، ويبلغهم ما أنزل الله عز وجل في علي ( عليه السلام ) وأخبره أن الله تعالى قد عصمه من الناس . فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عندما جاءته العصمة مناديا ينادي ، فنادى في الناس بالصلاة جامعة ، وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير ، أمره بذلك جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله تعالى ، وفي الموضع سلمات « 2 » فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يقم ما تحتهن ، وينصب له أحجار كهيئة المنبر ليشرف على الناس ، فتراجع الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون ، وقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فوق تلك الأحجار ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : الحمد لله الذي علا بتوحيده ، ودنا في تفريده ، وجل في سلطانه ، وعظم في أركانه ، وأحاط بكل شيء علما وهو في مكانه « 3 » ، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه . حميد لم يزل محمودا ، ولا يزال مجيدا ، لا يزول مبدئا ومعيدا ، وكل أمر إليه يعود بارئ المسموكات ، وداحي المدحوات ، قدوس سبوح رب الملائكة والروح ، متفضل على جميع من برأه ، متطول على جميع من ذرأه ، يلحظ كل عين والعيون لا تراه . كريم رحيم ذو أناة ، قد وسع كل شيء رحمته ، ومن على جميع خلقه بنعمته ، لا يعجل بانتقامه ، ولا يبادر عليهم بما استحقوا من عذابه ، قد فهم السرائر ، وعلم الضمائر ، ولم تخف عليه المكنونات ، وما اشتبهت عليه الخفيات ، له الإحاطة بكل شيء ، والغلبة لكل شيء ، والقوة في كل شيء ، والقدرة على كل شيء ، لا مثله شيء ، وهو منشئ الشيء حين لا شيء وحين لا حي . قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، جل عن أن تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ، لا يلحق وصفه أحد بمعاينة ولا يحد ، كيف وهو من سر ولا علانية ، إلا بما دل عز وجل على نفسه . أشهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو « 4 » ، الذي أبلى الدهر قدسه ، والذي يفني « 5 » الأبد نوره ، والذي ينفذ أمره بلا مشاورة « 6 » مشير ، ولا معه شريك في تقدير ، ولا تفاوت في تدبير ، صور ما ابتدع بلا مثال ، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ، ولا تكلف ولا احتيال ، أنشأها فكانت ، وبرأها فبانت ، وهو الله الذي لا إله إلا هو المتقن الصنعة ، الحسن الصنيعة ، العدل الذي لا يجور ، والأكرم الذي إليه ترجع الأمور . وأشهد أنه الله الذي تواضع كل شيء لعظمته ، وذل كل شيء لعزته ، وأسلم كل شيء لقدرته ، وخضع كل
--> ( 1 ) المائدة 5 : 67 . ( 2 ) السّلمات : جمع سلمة ، شجر من العضاه . « النهاية 2 : 395 » . ( 3 ) زاد في المصدر : يعني أنّ الشيء في مكانه . ( 4 ) ( الذي لا إله إلَّا هو ) ليس في المصدر . ( 5 ) في « ط » : يغشى . ( 6 ) في المصدر : مشورة .